عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
204
اللباب في علوم الكتاب
قوله : « أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا » لما بين حال الأولين قال للحاضرين : ألم يروا الباقون ما جرى على من « 1 » تقدم منهم . قوله : « كَمْ أَهْلَكْنا » كم هنا خبرية « 2 » فهي مفعول « بأهلكنا » تقديره كثيرا من القرون أهلكنا وهي معلّقة « 3 » « ليروا » ذهابا « 4 » بالخبرية مذهب الاستفهامية ، وقيل : بل « يروا » علمية و « كم » استفهامية كما سيأتي بيانه « 5 » و « أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ » فيه أوجه : أحدها : أنه بدل من « كم » « 6 » قال ابن عطية و « كم » هنا خبريّة و « أنهم » بدل منها ، والرؤية بصرية « 7 » قال أبو حيان وهذا لا يصح لأنها إذا كانت خبرية ( كانت ) « 8 » في موضع نصب « بأهلكنا » ولا يسوغ فيها إلا ذلك وإذا كانت كذلك امتنع أن يكون « أنهم » بدلا منها لأن البدل على نية تكرار العامل ولو سلطت « أهلكنا ( هم ) » « 9 » على « أنهم » لم يصح ألا ترى أنك لو قلت : أهلكنا انتفى رجوعهم أو أهلكنا كونهم لا يرجعون لم يكن كلاما لكنّ ابن عطية توهم أن ( يروا ) مفعولة « كم » فتوهم أن قوله : « أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ » بدل منه لأنه لا يسوغ أن يسلط عليه فتقول : ألم يروا أنهم إليهم لا يرجعون . وهذا وأمثاله دليل على ضعفه في ( علم ) « 10 » العربية « 11 » . قال شهاب الدين : وهذا « 12 » الإنحاء عليه تحامل عليه لأنه لقائل أن يقول : كم قد جعلها خبرية والخبرية يجوز أن تكون معمولة لما قبلها عند قوم فيقولون : « ملكت كم عبد » « 13 » فلم يلزم الصدر « 14 » فيجوز أن يكون بناء هذا التوجيه على هذه اللغة وجعل « كم » منصوبة « بيروا » و « أنهم » بدل منها . وليس هو ضعيفا في العربية « 15 » حينئذ .
--> ( 1 ) في « ب » ألم ير . وفي الرازي : أي الباقون لا يرون ما جرى على من تقدمهم . ( 2 ) قاله السمين في الدر 4 / 509 وأبو البقاء في التبيان 1081 وابن الأنباري في البيان 2 / 294 والزجاج في معانيه 4 / 285 ومكي في المشكل 2 / 225 والنحاس في الإعراب 3 / 393 و 392 والقرطبي 15 / 24 . ( 3 ) الكشاف 3 / 321 . ( 4 ) في « ب » إذهابا . ( 5 ) وهو قول الفراء في معانيه 2 / 376 وقد أجاز الوجه الأول أيضا انظر : المرجع السابق . ( 6 ) معاني الفراء 2 / 376 ومعاني الزجاج 4 / 285 والبيان 2 / 294 والمشكل 2 / 225 والتبيان 1081 والكشاف 3 / 321 . ( 7 ) البحر المحيط 7 / 333 . ( 8 ) سقط من « ب » . ( 9 ) زيادة من « ب » على البحر و « أ » . ( 10 ) زيادة من « أ » . ( 11 ) وانظر : البحر المحيط 7 / 333 مع اختلاف يسير في الألفاظ . ( 12 ) الدر المصون 510 / 4 . ( 13 ) فتكون مفعولا به كما ارتأى ابن عطية . وهذا الموقف من السمين يجعلنا نحكم بأنه أيد رأي ابن عطية وخالف رأي أستاذه أبي حيان . ( 14 ) في « ب » المصدر تحريف . ( 15 ) الحقيقة أن « كم » بنوعيها الخبرية والاستفهامية تلزم الصدر وقد رأى ابن عصفور فيما نقله عنه ابن هشام في المغني في : « أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ » و « أَ وَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ » رأى -